ابن إياس

208

نزهة الامم في العجائب والحكم

ثلاثة أيام ، ثم عادوا إلى مرج عكا بالغنائم والسبي ، وهلك من المسلمين خلق كثير فاستراح الفرنج بالمرج أياما ، ثم عادوا ثانيا ونهبوا صيدا والشقيف ، وعادوا إلى مرح عكا فأقاموا به . وكان ذلك كله فيما بين النصف من شهر رمضان وعيد الفطر ، والملك العادل مقيم بمرج الصفر ، وسير ابنه المعظم عيسى بعسكر إلى نابلس لمنع الفرنج من طروقها والوصول إلى بيت المقدس . فنازل الفرنج قلعة الطور سبعة عشر يوما [ ق 186 ب ] ثم عادوا إلى عكا وعزموا على قصد الديار المصرية فركبوا بجموعهم البحر ، وساروا إلي دمياط في صفر فنزلوا عليها يوم الثلاثاء رابع ربيع الأول سنة خمس عشرة وستمائة الموافق لثامن حزيران - وهم نحو السبعين ألف فارس وأربعمائة ألف راجل ، فخيموا تجاه دمياط في البر الغربى ، وحفروا على عسكرهم خندقا ، وأقاموا عليه سورا وشرعوا في قتال برج دمياط ، فإنه كان برجا منيعا فيه سلاسل من حديد غلاظ تمد على النيل لتمنع المراكب الواصلة في البحر الملح من الدخول إلي ديار مصر في النيل . وكان هذا البرج مشحونا بالمقاتلة ، فتحيل الفرنج عليه ، وعملوا برجا من الصواري على بسطة كبيرة ، وأقلعوا بها حتى أسندوها إليه وقاتلوا من به حتى أخدوه فبلغ نزول الفرنج على دمياط الملك الكامل - وكان يخلف أباه الملك العادل [ ق 187 أ ] فعند ذلك توجه الملك الكامل لمحاربة الفرنج ، وكان معه جيش عظيم ، وكان فيهم شخص يسمى شمايل وهو من الجندارية وكان يمشى في ركاب الملك الكامل إلى أن دخل دمياط ، فكان يسبح في الماء ويأتي للسلطان بأخبار الفرنج ، فحظى بذلك عند الملك الكامل ، وقرب منه إلى أن عمله وإلى القاهرة ، وإليه تنسب خزانة شمايل الذي كانت بالقاهرة ، ولم يزل الحال على ذلك مع الفرنج إلى أن دخلت سنة ست عشر وستمائة ، فجهز الملك المنصور صاحب حماه أبنه المظفر محمود إلي مصر نجدة للملك الكامل على قتال الفرنج في جيش كثيف ، فوصل إلى العسكر وتلقاه الملك الكامل وأنزله ميمنته العسكر ، وكان بثغر دمياط من العساكر نحو العشرين ألف مقاتل غير أهل النواحي فعند ذلك غلت عندهم أسعار حتى بلغت بيضة الدجاجة دينارا وامتلأت الطرقات بالموتى من الجوع وعدمت الأقوات وصارت [ ق 187 ب ] السكر كعزة الياقوت . وكان مدة المحاصرة مع الفرنج ست عشر شهرا واثنين وعشرون يوما ، فعند ذلك استولى الفرنج على دمياط وملوكها